المخا: اختبار لقدرة اليمن على حماية العالم

المخا: اختبار لقدرة اليمن على حماية العالم
إرسال

تُعد مدينة المخا، الواقعة في غرب محافظة تعز، موقعًا استراتيجيًا لا يقتصر تأثيره على الشأن اليمني المحلي، بل يمتد ليلامس الأمن الإقليمي والدولي نظرًا لقربها من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم. هذا الموقع الاستثنائي يرفع المخا من مجرد حدود إدارية إلى وظيفة جغرافية وسياسية بالغة الأهمية، مما يجعل ما يجري فيها ذا شأن يخص الدولة اليمنية والإقليم والعالم بأسره.


في هذا السياق، تمثل المخا اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على بسط سيادتها وحماية نقطة استراتيجية لا تحتمل أي تراخٍ. فالممرات الملاحية الكبرى لا تتطلب مجرد نوايا حسنة أو خطابات حماسية، بل تستلزم سلطة واعية بأهمية الموقع، تدرك أن أي خلل في هذا الركن من تعز لا يقتصر أثره على المحافظة، بل يمتد إلى البحر الأحمر وطرق التجارة العالمية.


إن التعامل مع المخا يجب أن يتجاوز لغة النفوذ المجرد والحسابات الضيقة، فموقعها الاستراتيجي يجعلها تحمل معنى يتجاوز من يسيطر عليها إلى طبيعة ما يُصنع فيها: هل هو ضبط يعزز الاستقرار، أم فراغ يفتح الباب أمام التنافس على حساب وظيفة المكان؟ وبالتالي، يصبح السؤال الأهم هو ما إذا كانت المخا تتجه نحو مزيد من التماسك والاستقرار.


في هذا المشهد، يبرز دور طارق صالح كجزء لا يتجزأ من الواقع الميداني، حيث ارتبط اسمه خلال السنوات الأخيرة بجهود واضحة في الساحل الغربي والمخا تحديدًا، مما أدى إلى تحول المنطقة نحو مزيد من الانضباط والقدرة على تأمين نفسها. ويجب وضع هذا الدور في إطاره الصحيح، كعنصر فاعل على الأرض يندرج ضمن سياق الدولة.


إن أمن المخا لا ينفصل عن أمن امتدادها البري داخل محافظة تعز، فالساحل الغربي يحتاج إلى ظهر مطمئن وخطوط إسناد متماسكة. ومن هنا تكتسب مناطق مثل الوازعية أهميتها الحقيقية، كجزء لا يتجزأ من توازن المحافظة، وأي خلل فيها ينعكس على المخا وعلى صورة المحافظة بأكملها. إن فصل الساحل الغربي عن تعز في القراءات السياسية يمنح الخصومة مادة سهلة، لكنه يتجاهل منطق الجغرافيا وحقائق الميدان.


تكمن المشكلة في بعض السجالات الجارية في تفسير الوقائع بمزاج الخصومة السياسية بدلًا من ميزان المصلحة العامة. عندما تتحول الحاجة إلى ضبط موقع استراتيجي إلى مادة للتنازع الحزبي، يضيع السؤال الأساسي: من يخدم استقرار تعز واليمن، ومن يضيف طبقة جديدة من الالتباس؟ إن الرأي المنصف في مثل هذه القضايا هو الذي يفرق بين التنافس السياسي الطبيعي والعبث بموقع استراتيجي لا يجوز أن يصبح رهينة لتقلبات الحساسيات التنظيمية.


تكتسب مظلة مجلس القيادة الرئاسي قيمتها الفعلية في هذا السياق، فالأدوار الميدانية، مهما بلغت كفاءة القائمين عليها، تصبح أكثر متانة واستدامة حين تنتظم تحت سقف سياسي جامع. وقد أشار الرئيس رشاد العليمي إلى جوهر المسألة في تصريحاته، مؤكدًا أن أمن الملاحة في البحر الأحمر هو شأن يتجاوز الإطار اليمني الضيق ليشمل مصالح العالم الأوسع، مما يعيد المخا إلى معناها الصحيح كمدينة تقف عند ملتقى المحلي بالدولي.


في الخلفية، تقف المملكة العربية السعودية، كقائدة للتحالف العربي، في موقع مفهوم يدعم كل ما يعزز حضور الشرعية ويخفف من هشاشة الساحل الغربي ويصون البحر الأحمر. هذه حقيقة تقرأها السياسة والجغرافيا على حد سواء، ولا تحتاج إلى مبالغة أو تحول كاتب الرأي إلى متحدث باسم طرف.


أما القوى السياسية في تعز، وخاصة حزب الإصلاح، فملف المخا ليس ملفًا عابرًا يمكن التعامل معه بأدوات المناكفة التقليدية. فالمخا جزء من تعز، واستقرارها لا يُعد انتقاصًا من أحد، بل إن تعز بكل تضاريسها ومنافذها بحاجة إلى قراءة ترى المحافظة جسدًا واحدًا. والمجالس والتجمعات لا تزيد المشهد رصانة إلا حين تدرك أن هذا الملف أثقل من أن يُدار بعناوين محلية ضيقة.


الوقائع تشير إلى أن المخا شهدت تحسنًا في الضبط والإدارة والحضور الأمني خلال السنوات الأخيرة، وأن هذا التحسن اقترن بقدرة أوضح على التعامل مع الموقع كمسؤولية لا كغنيمة. ورغم إمكانية وجود ملاحظات على الأداء، فإن المبالغة في الإنكار لا تقل خللًا عن المبالغة في المديح. فالكتابة المنصفة لا تصادر حق النقد ولا حق الناس في رؤية ما تحقق على الأرض.


لذلك، فإن السؤال الأجدر بالطرح ليس "من يربح من المخا؟"، بل "ماذا ربحت الدولة اليمنية من تثبيت هذا الموضع؟"، و"ماذا كسبت تعز من استقرار ساحلها الغربي؟"، و"ماذا يعني للعالم أن تظل هذه البقعة أقرب إلى النظام منها إلى الفوضى؟". هذه الأسئلة تكشف عن حقيقة بسيطة ومقنعة: المواقع الحساسة تُقاس بما تتركه من أمن، لا بما يُقال فيها من ادعاء.


في الختام، تبدو المخا امتحانًا لفكرة الدولة بقدر ما هي امتحان للأشخاص. فحين تستطيع الشرعية تأمين هذا الركن من غرب تعز، وربط سلامة البر بأمن البحر، وتقديم دليل عملي على قدرة اليمن على حماية جزء من العالم عبر ممراته الحيوية، فإن المعنى يتجاوز الأسماء. ومن يشارك في تثبيت الأمن هنا لا يخدم نفسه فقط، بل يضع حجرًا في جدار المعنى اليمني الأوسع: معنى الدولة حين تنجح، وتعز حين تُقرأ كاملة، والمخا حين تُرى على حقيقتها.

اخبار من القسم