اليمن: الحكومة تنتقل للمعركة القانونية وإيران تواصل المناورة بورقة الحوثيين

اليمن: الحكومة تنتقل للمعركة القانونية وإيران تواصل المناورة بورقة الحوثيين
إرسال

في خطوة لافتة، حولت الحكومة اليمنية المعركة ضد الحوثيين إلى ساحة القانون الدولي، في حين تتهم طهران بمواصلة استخدام الميليشيا كورقة للمناورة والمقامرة الإقليمية. يأتي هذا التطور في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتهديدات الحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب.


تُظهر التحليلات السياسية أن إيران، كلما اشتدت عليها الضغوط، تعمد إلى تفعيل ورقتها الحوثية، محولة اليمن إلى منصة لنفوذها ومختبر لابتزازها الإقليمي. فمليشيا الحوثي، بارتباطها بإيران، أصبحت ذراعاً تتقدم حيث يصعب على طهران المواجهة المباشرة، وتستخدم كأداة لإرسال رسائل دولية دون تحمل الكلفة.


التهديدات الإيرانية الأخيرة بإغلاق ممرات الطاقة، تحت شعار "إما أن تكون للجميع أو يُحرم منها الجميع"، تُعد تجسيداً لدبلوماسية الابتزاز التي تحول التجارة العالمية والممرات البحرية إلى رهائن وأوراق مساومة، وتتجاهل القانون الدولي لصالح منطق القوة.


ويشير المراقبون إلى أن التصريحات الإيرانية لا تستهدف مضيق هرمز فحسب، بل تلمح بوضوح إلى مضيق باب المندب، الذي تسعى طهران للسيطرة عليه عبر وكلائها. ففي حال عجز المركز عن الاشتباك، يتقدم الوكيل، وعند تراجع قدرة الدولة الراعية، تتقدم المليشيا لتنفيذ المهمات الصعبة.


يشير وصول قيادات وخبراء من الحرس الثوري الإيراني إلى صنعاء، بالتزامن مع تصاعد التوترات وتهديدات الحوثيين بإغلاق باب المندب، إلى مشهد متكامل الأدوار، حيث باتت النوايا مكشوفة لدرجة يصعب معها الإنكار. هذه الفلسفة، التي ترى في القوة بديلاً للشرعية والقانون مجرد عقبة، هي ما يحكم سلوك المشروع الإيراني في المنطقة.


لكن التطور اللافت هذه المرة يكمن في طريقة تعاطي الحكومة اليمنية مع الأزمة، خاصة فيما يتعلق بمحاولة الهبوط غير المصرح به لطائرة إيرانية في مطار صنعاء. فبدلاً من التصعيد العسكري، اختارت الحكومة الدفع بالملف إلى ساحة القانون الدولي، مستندة إلى اتفاقية شيكاغو للطيران المدني وقرارات مجلس الأمن. هذا المسار، الذي يطرح سؤالاً بسيطاً حول من يملك الحق في إدارة المجال الجوي، يضع الميليشيات في موقف صعب حيث لا تجيد القتال في ساحات القانون.


إن المواقف الدولية المؤيدة للحكومة اليمنية ليست مجاملة سياسية، بل اعتراف بأن المسألة تتجاوز رحلة طيران لتلامس جوهر الصراع: هل تبقى الدولة صاحبة القرار، أم تتحول المليشيا إلى سلطة أمر واقع؟ الفارق بين الدولة والمليشيا يكمن في الشرعية المستمدة من القانون مقابل الوجود المستمد من فوضى السلاح.


تواصل إيران رهانها على سياسة حرق الوقت والجغرافيا، معتبرة البحر الأحمر رقعة شطرنج واليمنيين بيادق. لكن التاريخ يذكر أن الوكيل الذي يستخدم لإشعال الحرائق قد يصبح أول ضحاياها. إن محاولة المليشيا ارتداء ثوب الدولة، بينما تسعى الدولة لاستعادة ثوبها المسلوب، تكشف حجم الانقلاب الذي تعرض له اليمن.


الأزمة اليمنية اليوم ليست مجرد صراع بين حكومة شرعية وجماعة انقلابية، بل هي معركة فاصلة بين مفهوم الدولة والمليشيا، بين السيادة والوصاية، وبين القانون الدولي ومنطق السلاح. فباب المندب ليس ورقة مساومة، بل هو ممر دولي وشريان للتجارة العالمية ورمز لسيادة اليمن. ومن يحاول تحويله إلى أداة ابتزاز، لا يهدد اليمن وحده، بل يضع العالم أمام معادلة خطيرة: إما احترام القانون، أو عصر تُدار فيه الممرات الدولية بمنطق الميليشيات.

اخبار من القسم